ابن تيمية
151
المسائل الماردينية
( فصل ) وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع ، وخلف أهل الفجور : ففيه نزاع مشهور وتفضيلُ : ليس هذا موضع بسطه ؛ لكن أوسط الأقوال في هؤلاء : أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره ، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع ، يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك . وأقل مراتب الإنكار : هجره ، لينتهي عن فجوره وبدعته . ولهذا فرَّق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية ، فإن الداعية أظهر المنكر ، فاستحق الإنكار عليه ، بخلاف الساكت ، فإنه بمنزلة من أسر بالذنب ، فهذا لا يُنكر عليه في الظاهر ، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة . ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى ، بخلاف من أظهر الكفر ، فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته ، لما في ذلك من النهي عن المنكر ، لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته . فإذا أمكن لإنسان أن لا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة ، وجب ذلك ، لكن إذا ولَّاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة ، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين ، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح